لماذا اختفى الإسلاميون من ثورة السودان؟

صحافة نت الجديد - اخبار عربية : انتهت ثورة السودان بتوقيع اتفاق متميز وتاريخي بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري، منهيا بذلكحكم العسكر ووضع السودان على سكة الديمقراطية، إلا أن المثير في الحراك الشعبي، الذي انتهى بثورة شعبيةأطاحت بحكم عمر البشير يوم 11 أبريل الماضي، هو اختفاء رموز وقيادات التيار الإسلامي، رغم محاولاتهمالالتحاق بالحراك كما فعل الشيخ إبراهيم السنوسي القيادي في حزب المؤتمر الشعبي ذو التوجه الإسلامي، فيإحدى المرات عقب صلاة للجمعة في مسجد الخرطوم الكبير، لكنه تعرض للطرد من قبل المصلين الغاضبين.

السنوسي حاول مخاطبة المصلين ودعوتهم إلى القبول بالمجلس العسكري بقيادة عبدالفتاح البرهان، الذي تولىالمسؤولية بعد سقوط البشير، لكن مصلين قاطعوه بالهتاف المحلي الذي يندد بالجماعة الإسلامية، ثم قذفوا سيارتهبالحجارة لدى مغادرته.

لم تكن حادثة السنوسي في المسجد، أمرا عاديا، حسب متتبعين، فقد جاء رد فعل على موقف قيادة حزب المؤتمرالشعبي، التي استمرت في حكومة البشير، رغم مطالبة قواعد الحزب بالانسحاب من تلك الحكومة قبل ذلك بكثير. فيالمقابل من ذلك، شارك مجموعة من شباب حزب الترابي في الاحتجاجات ضد البشير، وكثير منهم أبدى غضبه علىواقعة قتل أحد كوادر حزبهم المعلم أحمد الخير بمدينة “كسلا” على يد قوات الأمن في هذه الاحتجاجات، ومنهم،أيضا، أبناء وزراء إسلاميين شاركوا في الحكومات السابقة، إلا ن وجود الحركة الإسلامية لم يتجاوز هذا السقفالتنظيمي وسط حراك السودان.

وبينما يجادل البعض بأن فترة حكم البشير محسوبة على الحكم العسكري أكثر من كونها محسوبة على الإسلاميين،ينظر آخرون إلى أن مدة حكم البشير كانت بمثابة فترة حكم للتيار الإسلامي، وبالتالي، فإن الثورة على نظام البشيرتشمل بالضرورة هذا التيار الذي شارك في الحكم.

هذا، ورغم أن الحركة الإسلامية استلمت الحكم في العام 1989، لكن العديد من القياديين الإسلاميين وفي مقدمتهمالقيادي البارز حسن الترابي، كان يعتبر أن الحكم تحوّل شيئا فشيئا ليصبح في قبضة الرئيس وحده، وأن المعاناةفي السودان شملت الإسلاميين، أيضا، كما امتدت إلى غيرهم من التيارات.

في سنة 2013، انشق على البشير أبرز قادته الفكريين الإسلاميين غازي صلاح الدين، إثر تعامل الحكومة الفظ معهبّة شعبية قُتل فيها أكثر من 200 قتيل وفقا لإحصائيات غير رسمية. وأسس صلاح الدين حركة “الإصلاح الآن“،وتبعه بعض الإسلاميين الشباب الذين يرون أنفسهم أكثر انفتاحا وليبرالية على المستوى السياسي.

بعد اندلاع الحراك الشعبي في السودان، سيجد الإسلاميون أنفسهم في وضع حرج بعد سقوط حكومة البشير،وعدم القبول بهم وبرموزهم من طرف كثير من المتظاهرين، رغم تسجيلهم حضورا في الاحتجاجات التي قادت إلىعزل البشير، فقبل عزله زار المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في السودان عوض الله حسن المعتصمين أماممقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم، وظهر في صور وهو يخط بيديه لافتات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين، ممايعني مشاركة هذا التيار الإسلامي في الثورة على نظام البشير، وأنه لم يكن على توافق مع البشير، إلا أن تجربةالتسيير والمشاركة في الحكم، كان لها تأثير سلبي على التيار الإسلامي الذي استنفذ تجربته وسقفه في الإصلاح،فكان باديا تراجعه واختفاءه من الاحتجاج الشعبي الذي انتهى باتفاق تاريخي. بعد عزل الرئيس عمر البشير،أصدرت الأمانة السياسية للإخوان المسلمين بيانا رحبت فيه بتلك الخطوة، مؤكدة أن “هذه الثورة المباركة لا تستطيعجهة أو حزب احتكارها أو توجيهها، بل الكل مشارك دون إقصاء إلا من يدان قضائيا“.

وسط الحراك الشعبي، شارك غازي صلاح الدين الذي يرأس ائتلاف “الجبهة الوطنية للتغيير” المكون من أحزاب عدةمقربة من البشير، كانت تمثل الوجه الإسلامي، الذي حاول أن يبقى حاضرا في الثورة، مدعوما بأنصاره من شبابالإسلاميين، إلا أن صلاح الدين سيتهم قوى سياسية لم يسمها بممارسة الإقصاء ضد الآخرين، في إشارة إلى“قوى إعلان الحرية والتغيير“، مؤكدا على رفض الجبهة كافة أشكال الإقصاء.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد قام صلاح الدين غازي بالالتقاء مع رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكريالانتقالي الفريق أول ركن عمر زين العابدين، وأبلغه أن المرحلة الراهنة في السودان، تستدعي محاربة فكرة الإقصاءبين القوى السياسية.

وحسب خباب النعمان، الباحث السوداني، فإن “تجربة الإسلاميين التي سقطت في السودان عبر ثورة سلميةمتحضرة ليس أمامها سوى خيارين، الأول إعمال النقد والمراجعة، والثاني، الإنكار وإنتاج خطاب ما ورائي يقومعلى تسويغ نظريات المؤامرة“، وتوقع خباب “الغلبة للخيار الأول، حيث يتم إنتاج تيارات ما بعد إسلامية تتجاوزأخطاء المرحلة السابقة“.

لم تكن هذه المعاناة الوحيدة للتيار الإسلامي وسط الثورة السودانية، فعلى هامش الحراك الشعبي، تسارعت وتيرةالاعتقالات في صفوف شخصيات عسكرية وسياسية كبيرة لعبت دورا مهما أثناء حكم البشير، تنتمي إلى الحركةالإسلامية وروافدها في أحزاب ومؤسسات متعددة، في محاولة حثيثة لتقليم أظافرهم في الجيش والشارع، قبل أنتفاجأ القوى السودانية بانقلاب يمكن أن يحالفه حظ، مع انهماكها في ترتيبات مرحلة دقيقة تحتاج إلى عصفسياسي خلاق لتجاوز التبعات السلبية.

وحسب المتتبعين للثورة السودانية، فقد “بقيت قيادات الحركة الإسلامية على يقين أن الدور الذي يلعبه المجلسالعسكري يصب في صالحها، لأن عددا ممن تقدموا صفوف عملية عزل البشير خرجوا من رحمها، وهو ما انتبه إليهتحالف الحرية والتغيير مبكرا، وصمم على التخلص من الأسماء المعروفة بولاءاتها الإيديولوجية، لكنه لم يستطع تنحيةشخصيات حافظت على درجة من الرمادية في انتماءاتها السياسية وتعمدت إعلان تنصلها من أي علاقة بالبشيرالمعروف بميولاته الإسلامية.

هذه المعطيات الجديدة داخل الحراك الشعبي، سوف تتجاوز قطاعات إسلامية واسعة، وسيجعلها تتريث وتتوارى عنالأنظار، لأنها مطمئنة إلى حد ما أن بعض الأسماء التي تصدرت المجلس العسكري في البداية موثوق في ميولهاالإسلامية، إلى أنها فضلت الانضمام إلى قوى الحرية والتغيير، ومن خلفها شريحة كبيرة من المواطنين خرجت فيتظاهرات حاشدة، لتتيقن الحركة الإسلامية أن المياه عكرت بما يستوجب تنقيتها، فحاولت قياداتها امتصاصالصدمات والارتباكات المتتالية لتفضل الانزياح جانبا من الحراك الشعبي في أفق إجراء مراجعات واسعة، وتقييمشامل لتجربة التسيير في الحكم التي انتهت بعزل البشير.

صحافة نت الجديد (صحافة نت المغرب ) : لماذا اختفى الإسلاميون من ثورة السودان؟ ( اليوم 24 )

نشر بتاريخ : الأحد 2019/08/25 الساعة 10:17 م

متعلقات

  • حركة تحرير السودان ترهن التفاوض مع الحكومة بإطلاق سراح جميع الأسرى

    “حركة تحرير السودان” ترهن التفاوض مع الحكومة بإطلاق سراح جميع الأسرى

    كوش نيوز
  • السودان ندرس ملف الأموال التي نهبها رجال البشير

    السودان: ندرس ملف الأموال التي نهبها رجال البشير

    سبوتنيك
  • الهلال الأحمر المصرى تقديم 587 طن مساعدات مواد غذائية لدولة السودان

    الهلال الأحمر المصرى: تقديم 587 طن مساعدات مواد غذائية لدولة السودان

    صدى البلد
  • الهلال الأحمر المصري يقدم مساعدات 587 طن مواد غذائية لدولة السودان

    الهلال الأحمر المصري يقدم مساعدات 587 طن مواد غذائية لدولة السودان

    بوابه اخبار اليوم
  • قوى التغيير الإتحاد الأوروبي وعد باسترداد أموال السودان المهربة

    قوى التغيير: الإتحاد الأوروبي وعد باسترداد أموال السودان المهربة

    السودان اليوم
  • عسكر السودان على خ طى عسكر مصر

    عسكر السودان على خُطى عسكر مصر

    صحيفة التغيير
  • 5 أسباب لماذا لن تؤدي الهجمات على منشآت النفط السعودية إلى حرب مع إيران

    5 أسباب.. لماذا لن تؤدي الهجمات على منشآت النفط السعودية إلى حرب مع إيران؟

    الجزيرة.نت